قال ابن فارس فى معجم مقاييس اللغة :
أصل صحيح يدل على جمود و سكون حركة ، منه النوم . نام ينام نوماً و مناماً . و هو نؤوم أى كثير النوم ، و رجل نومة : أى خامل لا يؤبه له ، و منه استنام لى فلان إذا اطمأن إليه و سكن و يستعيرون منه نامت السوق : أى كسدت ، و نام الثوب : أى أخْلَقَ ا.هـ
و قال الفيروز آبادى فى القاموس المحيط :
النوم : النعاس ( أ. هـ) .
فصل : النوم آية من آيات الله عز و جل :
قال الشيخ ابن العثيمين رحمه الله " النوم آية من آيات الله عز و جل الدالة على كمال قدرته و رحمته و حكمته ، قال تعالى " و من آياته منامكم بالليل و النهار و ابتغاؤكم من فضله " [ الروم : 23 ] . و هو نعمة من الله تعالى على العبد لأنه يستريح فيه من تعب سابق، و ينشط فيه لعمل لاحق، فهو ينفع الإنسان فيما مضى و فيما يستقبل ، وهو من كمال الحياة الدنيا لأنها ناقصة فتكمل بالنوم لأجل الراحة، ولكنه نقص من وجه آخر بالنسبة للقيوم عز وجل، فإنه سبحانه و تعالى " لا تأخذه سنة و لا نوم " و ذلك لكمال حياته فهو لا يحتاج إلى نوم و لا يحتاج إلى شىء فهو الغنى الحميد " (أ.هـ ) .
و لهذا كان من عقيدة أهل السنة و الجماعة أن نثبت صفة القيومية لله عز و جل ، وننفى عنه السِنة و النوم .
قال الله تعالى :
" و هو الذى جعل لكم الليل لباساً و النوم سُباتاً و جعل النهار نشوراً " [الفرقان:47]
قال الحافظ بن كثير رحمه الله :
قوله " و هو الذى جعل لكم الليل لباساً " أى يلبس الوجود و يُغَشيه كما قال " و الليل إذا يغشى " [ الليل: 1 ]، " و الليل إذا يغشاها " [ الشمس : 4 ] .
" و النوم سباتاً " أى: قطعاً للحركة لراحة الأبدان، فإن الأعضاء و الجوارح تكل من كثرة الحركة فى الإنتشار بالنهار فى المعايش ، فإذا جاء الليل و سكن سكنت الحركات، فإستراحت فحصل النوم الذى فيه راحة البدن و الروح معاً .
" و جعل النهار نشوراً " أى : ينتشر الناس فيه لمعايشهم و مكاسبهم و أسبابهم . ( أ.هـ من كتاب عمدة التفاسير عن الحافظ ابن كثير ) .
قال القاسمى رحمه الله :
" و هو الذى جعل لكم الليل لباساً " أى : ساتراً كاللباس .
" و النوم سباتاً " أى : راحة للأبدان تستعيض به ما خسرته من قواها .
" و جعل النهار نشوراً " أى : زمان انتشار لطلب المعاش أ.هـ من كتاب محاسن التأويل .
قال الإمام الشوكانى رحمه الله :
" و هو الذى جعل لكم الليل لباساً " : شبه سبحانه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر، قال ابن جرير: وصف الليل باللباس من حيث أنه يستر الأشياء و يغشاها .
" و النوم سباتاً " أى : وجعل النوم سباتاً أى : راحة لكم لأنكم تنقطعون عن الإشتغال ، و أصل السُبات : التمدد ، يُقال سُبتت المرأة شعرها : أى نقضته و أرسلته ، و رجل مسبوت : أى ممدود الخلقة ، و قِيل للنوم سُبات لأنه بالتمدد يكون ، و فى التمدد معنى الراحة ، و قِيل السُبات أى : القطع ، فالنوم انقطاع عن الإشتغال و منه سبت اليهود لإنقطاعهم عن الإشتغال ، و قال الخليل : السُبات : نوم ثقيل : أى جعلنا نومكم ثقيلاً ليكمل الإجمام والراحة .
" و جعل النهار نشوراً " أى : زمان بعث من ذلك السُُبات أ.هـ من كتاب فتح القدير – بإختصار يسير .
قال تعالى :
" و من آياته منامكم بالليل و النهار و ابتغاؤكم من فضله إن فى ذلك لأيتٍ لقوم يسمعون " [ الروم : 23] .
قال الإمام الماوردى :
قوله " و من آياته منامكم بالليل و النهار و ابتغاؤكم من فضله " فيه وجهان :
- أحدهما : أن الليل و النهار معاً وقت للنوم و وقت لإبتغاء الفضل ، لأن من الناس من يتصرف في كسبه ليلاً و ينام نهاراً .
- الثانى : أن الليل وقت للنوم و النهار وقت لإبتغاء الفضل و يكون تقدير الكلام و من آياته منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار ، فجعل النوم فى الليل دليلاً على الموت ، و التصرف فى النهار ( العمل و الكسب ) دليلاً على البعث .
و قوله " إن فى ذلك لأيتٍ لقوم يسمعون " أى يسمعون القرآن فيصدقونه ( أ.هـ بإختصار من كتاب النكت والعيون ) .
قال الحافظ بن كثير رحمه الله :
قوله " و من آياته منامكم بالليل و النهار و ابتغاؤكم من فضله " أى ومن الآيات ما جعل لكم فى صفة النوم فى الليل و النهار ، فيه تحصل الراحة و سكون الحركة ، وذهاب الكسل و التعب ، و جعل لكم الإنتشار و السعى فى الأسباب و الأسفار فى النهار ، و هذا ضد النوم .
و قوله " إن فى ذلك لأيتٍ لقوم يسمعون " أى يعون ( أ.هـ من كتاب عمدة التفاسير ) .
قال الإمام القاسمى رحمه الله :
قوله " و من آياته منامكم بالليل و النهار " أى لإستعاضة ( لإستراحة ) القوى ، ورد ما فُقد منها . ( أ.هـ من كتاب محاسن التأويل ) .
قال تعالى :
" و جعلنا نومكم سُباتاً و جعلنا الليل لباساً و جعلنا النهار معاشاً " [ النبأ : 9 ] .
قال الحافظ بن كثير رحمه الله :
" و جعلنا نومكم سُباتاً " أى : قطعاً للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد و السعى فى المعايش فى عرض النهار .
" و جعلنا الليل لباساً " أى : يغشى الناس ظلامه و سواده و قال قتادة أى سكناً.
" و جعلنا النهار معاشاً " أى : جعلناه مشرقاً ، منيراً ، مضيئاً ، ليتمكن الناس من التصرف فيه و الذهاب والمجىء للمعاش و التكسب و التجارات و غير ذلك . (أ.هـ من كتاب عمدة التفاسير) .
قال الإمام القاسمى رحمه الله :
" و جعلنا نومكم سُباتاً " أى راحة ودعة يريح القوى من تعبها و يُعيد إليها ما فقد منها . وقيل السبات : النوم الممتد الطويل السكون ، و لهذا يُقال لمن وُصف بكثرة النوم أنه مسبوت و به سُبات ، و وجه الإمتنان بذلك لما فيه من المنفعة و الراحة لأن التهويم و النوم الغرار لا يكسبان شيئاً من الراحة .
" و جعلنا الليل لباساً " أى كاللباس بإحاطة ظُلمته بكل أحد و ستره لهم .
قال الرازى : و وجه النعمة فى ذلك أن ظُلمة الليل تستر الإنسان عن العيون ، إذا أراد هرباً من عدو أو بياتاً له ، أو إخفاء ما لا يحب الإنسان إطلاع غيره عليه ، و قال المتنبى :
و كم لظلام الليل عندى من يدٍ تخبِّر أن المانومة تكذب
و أيضاً فكما أن الإنسان بسبب اللباس يزداد جماله و تتكامل قوته ، ويندفع عنه أذى الحر والبرد ، فكذا لباس الليل بسبب ما يحصل فيه النوم ، يزيد فى جمال الإنسان، وفى طراوة أعضائه، وفى تكامل قواه الحسية و الحركية، ويندفع عنه أذى التعب الجسمانى و أذى الأفكار الموحشة .
" و جعلنا النهار معاشاً " أى : وقت معاش ، إذ فيه يتقلب الخلق فى حوائجهم ومكاسبهم . ( أ.هـ من كتاب محاسن التأويل ).
و لقد أنعم الله عز و جل على عباده المخلصين بالنوم تثبيتاً لقلوبهم و تقوية لأبدانهم، فى أشد المواقف و أحلكها وذلك يوم بدر و يوم أُحد ، قال تعالى " إذا يغشيكم النعاس أمنة منه " [ الأنفال : 11 ] ، و هذه الآية فى سياق غزوة بدر .
قال الحافظ بن كثير فى تفسير هذه الآية : يذكرهم الله بما أنعم عليهم من إلقائه النعاس عليهم ، أماناً أمنهم به من خوفهم الذى حصل لهم من كثرة عَدُوِهم و قلة عددهم ، و كذلك فقال تعالى لهم يوم أُحد ، كما قال تعالى " ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نُعاساً يغشى طائفة منكم و طائفة قد أهمتهم أنفسهم " [آلعمران :154].
قال أبو طلحة : كنت ممن أصابه النعاس يوم أُحد ، و لقد سقط السيف من يدى مراراً و يسقط وآخذه ، و يسقط وآخذه ، و لقد نظرت إليهم يميدون و هم تحت الحجف .
و روى أبو يعلى عن على قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ، و لقد رأيتنا و ما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و يصلى تحت شجرة و يبكى حتى أصبح قلت: أما النعاس فقد أصابهم يوم أُحد، و أمر ذلك مشهور جداً ، و أما الآية الشريفة إنما هى فى سياق قصة بدر ، و هى دالة على وقوع ذلك أيضاً ، و كان ذلك كائن للمؤمنين عند شدة البأس لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله ، وهذا من فضل الله و رحمته بهم و نعمته عليهم ، و كما قال تعالى : "فإن مع العُسر يُسراً . إن مع العُسر يُسراً [ الشرح : 5 ، 6 ] ، و لهذا جاء فى الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما كان يوم بدر فى العريش مع الِصديق ، و هما يدعوان ، أخذت رسول الله صلى الله عليه و سلم سِنة من النوم ، ثم استيقظ مبتسماً فقال : " أبشِر يا أبا بكر ، هذا جبريل على ثناياه النقع " ثم خرج من باب العريش و هو يتلو قوله تعالى : " سيٌهزم الجمع و يُولون الدُبر " [ القمر : 45 ] .
و قال الإمام الماوردى فى تفسير هذه الآية :
" إذ يغشيكم النعاس أمنة منه " و ذلك أن النبى صلى الله عليه و سلم و كثيراً من أصحابه غشيهم النعاس ببدر .
قال سهل بن عبد الله : النعاس يحل فى الرأس مع حياة القلب ، و النوم يحل القلب بعد نزوله من الرأس ، فهّوم رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى ناموا ، فبشر جبريل رسول الله صلى الله عليه و سلم بالنصر فبشر به أبو بكر .
و فى امتنان الله سبحانه و تعالى عليهم بالنوم فى هذه الليلة وجهان :
أحدهما : قواهم بالإستراحة على القتال غداً .
الثانى : أن أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم ، كما يُقال الأمن مُنيم ، و الخوف مُسهر .
قوله " أمنة منه " يعنى به الدعة و سكون النفس من الخوف ( أ.هـ من كتاب النكت و العيون ) .
و فى يوم أُحد بعد أن علا المشركين على المؤمنين بسبب مخالفتهم أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصابوا منهم الكثير ، أصاب المؤمنين غم شديد ، فأنزل الله النُعاس عليهم أمنةً لهم ، و كان من هذه الطائفة التى غشيها النعاس أبو طلحة ، عبد الرحمن بن عوف و غيرهم فناموا حتى أخذتهم الأَمَنَة ، و أما الطائفة الأخرى – عبد الله بن أبى بن مسلول و رفاقه – فهؤلاء قد شغلتهم أنفسهم من الخوف ، و ظنوا بالله عز و جل ظن السوء و أن الله لن ينصر رسوله و عباده المؤمنين ، فأخذهم الخوف الشديد و لم يناموا لسوء ظنهم بالله ، قال تعالى " ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نُعاساً يغشى طائفةً منكم و طائفةﹲ قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية " [آل عمران : 154 ] .
فالنوم نعمة من نعم الله عز و جل على العبد ، تُحفظ بطاعة الله عز و جل ، و تُسلب بمعصيته سبحانه و تعالى ، لذا تجد الشخص الذى يعصى الله عز و جل ، و يُسىء الظن به سبحانه و تعالى دائم القلق و الخوف لا يستطيع أن ينعم بالنوم الهادىء الذى يكون فيه الأمن و السكينة .