الخواف الاجتماعي

من الطبيعي أن يشعر معظم البشر بقلق وتوتر بسيط في المواقف الاجتماعية أول يوم في العمل، اجتماع عام، حفل الزفاف، مناقشة رسالة الماجيستير أو الدكتوراه، بل من المهم أن يحفز هذا القلق الفسيولوجي الإنسان على الإتقان والحرص والاستعداد والتبكير واليقظة والحذر، أما إذا زاد هذا التوتر والقلق الاجتماعي عن حده وكان سببًا في إعاقة النشاط الاجتماعي أو المهني أو الدراسي للفرد فيصبح حينئذٍ خوفًا مرضيًا ووجب علاجه.

يعاني الشخص المصاب بالخواف الاجتماعي من خوف ملحوظ ومستمر في حالة وجوده بين الناس أو قيامه بعمل أمامهم وذلك يسبب خوفه منهم أو مما سيقولونه عنه أو مما قد يفكرون فيه أو يسبب ملاحظتهم له.

وينبع هذا الشعور لدى المصاب من خوفه من ظهور أعراض التوتر والقلق التي يعاني منها أمام هؤلاء الناس.

وقد لوحظ أن أقارب المريض من الدرجة الأولى هم أكثر عرضة للإصابة بالمرض لتصل النسبة إلى ثلاثة أضعاف الأشخاص الطبيعيين، ويحدث الخواف أو الرهاب الاجتماعي بنفس النسبة بين الرجال والنساء، وتبدأ معظم الحالات عند سن 15 إلى 25 سنة.

ومن المهم معرفة أن مريض الرهاب أو الخواف الاجتماعي على دراية كاملة بأن كل الأعراض التي تتناوبه أثناء تعرضه لمثل هذه المواقف مبالغ فيها وليس لديه أسباب حقيقية لحدوثها.

ومن صفات مريض الرهاب أو الخواف الاجتماعي:

تجنب الحديث أمام مجموعة من الناس بل حتى أحيانًا تجنب الرد على الهاتف خوفًا من اللعثمة والارتباك، أو على من يطرق الباب، رفض الوجود بين مجموعة من الناس خصوصًا من هم أعلى منه مكانة اجتماعية أو مرتبة وظيفية، تجنب المواقف الاجتماعية التي لم يسبق التعامل معها.

يخجل من الشكوى من سلعة اشتراها ووجدها غير مناسبة أو بها عيب ويستحيل عليه إرجاعها.

إذا دخل مطعم مثلاً لا يشتكي إذا تجاهله العاملون، أو كان الأكل باردًا يقبل مضطرًا ولا يرفض، ويتمنى لو أنه اعترض ولكنه خائف من ردهم.. ربما يفحمونه ولا يستطيع الرد.

لا يحب أبدًا أن يقوم أحد بمقارنته بإنسان آخر ولذلك يتجنب المنافسة أومقابلات لطلب وظيفة أو رفع يده للإجابة أو السؤال أو الاعتراض في الصفوف الدراسية والبعد عن حلقات النقاش.

لا يحب أبدًا أن يكون في بؤرة إهتمام الناس ولذلك لا يبدأ في التعارف على أحد ويرفض التعبير عن رأيه أو أفكاره أو مشاعره..لذلك لا تجد لهؤلاء الأشخاص أى أصدقاء ويعيشون في عزلة اجتماعية.. يخرجون للنزهة وحدهم ويأكلون وحدهم ولا يتواصلون مع الناس.. حتى نوافذهم دائمًا ما تكون مغلقة.. هواياتهم القراءة والتلفاز والكمبيوتر.

الخجل الشديد في التعامل مع الجنس الآخر.

البعد عن أى علاقة تربطه برؤسائه في العمل ولذلك تجده دائمًا في ذيل السلم الوظيفي ودائمًا لا يرشحه أحد لأى وظيفة قيادية.

الخوف من أن يحكم الآخرون على كلامه بأنه كلام ساذج أو أفعاله بأنها أفعال حمقاء أو أنه خواف وشخصيته ضعيفة.

وترى في هؤلاء الأشخاص خاصةً مراقبتهم الشديدة لذواتهم وإهتمامهم وقلقهم الشديد بما يراه ويعتقده الآخرون عنهم، دائمي الارتباك في أى موقف خصوصًا عندما تدفعهم حماقاتهم إلى إيقاع رف مرصوص عليه مواد غذائية في متجر مثلاً فتدفعه تلك الحماقة إلى إيقاع باقي الرفوف فيقرر هذا الشخص عدم الدخول إلى التجمعات أو المحال الكبيرة.

عندما يظن أن الناس تراه وتسمعه يصاب بالرعشة والارتباك واحمرار الوجه وزيادة دقات القلب والعرق وعدم الكلام والتحفظ ولذلك يدخلون تلك المحلات في الصباح الباكر أو قبل الإغلاق.

وفي أحيان كثيرة تؤدي مشكلة مراقبة الذات عند هؤلاء الأشخاص إلى تقليل وتشتيت الانتباه وقلة التركيز وصعوبة التفكير وسوء التصرف وتباطؤ إتخاذ القرارات والتردد وضعف القدرات الكلامية والتعبيرية والسلوكية.

تلاحظ عليهم أيضًا أنهم دائمًا صامتون يتجنبون النظر إلى أعين من يتكلم معهم ولذلك لا يجلسون أمام أحد في المواصلات حتى لا تتلاقى أعينهم مع أعين الآخرين ولا يمشون أمام جمع من الناس.

كان لي مريضة عندما تأتي وتنتظر في العيادة وتريد الدخول إلى الحمام كانت تتحمل ولا تذهب إلى الحمام خوفًا من أن يتكلم الناس عن شكلها أو مشيتها أو أنها جاءت العيادة للعلاج أم لدخول الحمام.

ولديهم ميوعة في المواقف الاجتماعية فلا يعبرون عن آراءهم المخالفة ويترددون كثيرًا ويشعرون بالقلق من الدخول في مواقف جديدة تجعلهم في موضع التقييم والاختبار حتى ولو أدى بهم ذلك إلى أن يكونوا الضيوف في مواقف اجتماعية تخصهم هم شخصيًا مثل يوم زفافه فتراه دائمًا يقف في الشرفة أو على السلم أو أمام باب البيت.. وإذا تكلموا اضطربوا وتلعثموا وترددوا ولا يجدون ما يقولونه أو لا يعرفون ما يجب أن يقال وما يجب ألا يقال.

ربما تجد هؤلاء الناس عصبيون، متوترون، كثيري التململ يعضون على الشفاه والأطراف ويقرضون الأظافر ويخفون وجوههم أو يمسحون عليها.

خجولون، مرتبكون، يصفون أنفسهم بعدم الكفاءة والنقص ليس لأنهم كذلك بل لأنهم لن يستطيعون العمل بكفاءة ودقة وإتقان إلا وحدهم وحينما لا يراهم أحد أو يراقبهم.

بل حتى لا يأكلون ويشربون أمام الناس ولو حتى الأخوة والأبناء والأزواج.. ولو حدث تجدهم يرتعشون وتسقط من أيديهم الملاعق والأكواب وينسكب الطعام على المائدة ويتصببون عرقًا ويقف الطعام في حلوقهم ويصعب عليهم البلع، ويخافون من القئ أمام الناس.

لا يكتبون أمام أحد ولذلك يمتنع الطالب المصاب عن الكتابة أيام الاختبارات أمام المراقب أو يمتنع المعلم عن الكتابة أمام تلاميذه، وتمتنع السكرتيرة عن الكتابة على لوحة المفاتيح أمام رئيسها.. أو يمتنع أى صاحب صنعة عن أدائها أمام أى شخص.

معظم مرضى الرهاب الاجتماعي دائمًا ما يشعرون أنهم مختلفون عن الناس ويظنون أن المشكلة في ذواتهم وبسببهم هم وأن إحجامهم عن الدخول في مواقف اجتماعية هو ما أدى إلى فقد الخبرات والقدرات والتواصل مع الناس ثم بعد ذلك الخوف من علاقاتهم والاختلاط بهم والكلام معهم بل وتجنبهم تمامًا.

وهناك أناس آخرون مصابون بالخواف – الرهاب الاجتماعي لهم مخاوف خاصة بمظهرهم أمام الناس ويبالغون في أشياء غير ظاهرة أو بسيطة فيقضون ساعات الليل والنهار في التفكير فيها أو يبتعدون عن الناس بسببها ولا يقبلون شكلهم أو لونهم أو مظهرهم، أو يمتنعون عن السفر أو لقاء الأهل والأصدقاء خوفًا من ظهورها.

مثل الإنسان البدين أو النحيف، الطويل أو القصير، كبير الأنف، مفلطح الأذنين، أصلع الرأس.

بالنسبة للبنات فهناك من من يفكرن في لون البشرة.. سمراء أو بيضاء أو بها نمش.. أو... أو...

ربما تجد في بعض هؤلاء الفتيات تغيرات طفيفة خفيفة ولكن لا تستدعي كل هذا الإهتمام فتراهم دائمي قياس الوزن والطول والحجم والشكل والنظر المتكرر في المرآة وهن زبائن دائمون لجراحي ومراكز التجميل.

 

علاج الخواف الاجتماعي

مثال

(ع) شاب يبلغ من العمر 22 سنة، كانت تعد له زوجته طعام الإفطار وعلبة من العصير لكى يتناولها في عمله وكوب من الشاى محفوظ في تُرمس حافظ للحرارة.

كان (ع) يرجع  إلى زوجته مرهقًا والطعام والعصير والشاى كما هو لم يتذوق منه قضمة أو رشفة لأنه كان يشعر بالقلق الشديد عندما يأكل أو يشرب أمام أحد.. وكان يصيبه الهم والغم عندما يصب الشاى في كوب ويمسكه لأنه كان يشعر برعشة شديدة ويهتز الكوب في يده عندما ينظر إليه أحد وهو يشرب أو يظن أن أحدًا ينظر إليه.

وكان يخاف من أن ينسكب الشاى على ملابسه وأوراقه فيصفه زملاؤه بالجبن وضعف الشخصية وقلة الحيلة.

كان (ع) يتجنب تمامًا الأكل في أى مكان عام وإذا ذهب لأحد أقربائه وهو ما كان نادر الحدوث لا يأكل ولا يشرب ولا يستطيع أن يعترض على أحد انتقده أو انتقد زوجته وهو ما يحدث كثيرًا في المقابلات العائلية ويرجع إلى بيته ناقم غاضب لأنه لم يرد.

وكان إذا ذهب إلى اجتماع في العمل مع الرؤساء أو أُجبر على الذهاب إلى حفل زواج أو مناسبة اجتماعية كان يتناول بعض الأقراص المهدئة قبلها بساعتين لكى تُهدئ من خوفه وعصبيته ورغبته في الخروج من المكان.

وكان إذا رن جرس التليفون في العمل يتجنب الرد لأنه إذا وجد على خط التليفون رئيسه في العمل أو شخص مهم أو حتى إنسان غريب كان يخاف أن يتلعثم ويتلجلج ولا يفهم أحد كلامه.. والمشكلة أنه كان يخاف من أن يشعر بذلك من يتحدث معه في التليفون أو من زملائه الذين يجلسون معه في الغرفة ويسمعونه.

أما عندما يكون (ع) وحده ولا يراه أحد أو عندما يكون في مكان عام لا يعرفه أحد فيه أو في مدينة أخرى غير مدينته فكان يأكل ويشرب براحته ويتحدث مع الناس بطلاقة لم يعهدها في نفسه.

 

الخطة العلاجية

 

أ) كان على (ع) أن يكتب مخاوفه مرتبة على حسب شدتها من الأقل إلى الأكثر على مقياس يبدأ من صفر.. حتى 100 كالآتي:

1.   سؤال أحد المارة عن شارع معين أو صيدلية أو مكتبة (20).

2.   الرد على التليفون خصوصًا إذا كان المتحدث رئيسه في العمل وكان باقي الزملاء حوله يسمعون كلامه (35).

3.   حضور المناسبات الاجتماعية (خطبة، عقد قران، زفاف، عقيقة، عزاء، زيارة مريض).. وإذا حضر يكون حضوره في اللحظات الأخيرة لكى يؤدي واجبه ولا يضطر إلى حضور المحادثات والمناقشات التي تحدث في تلك المناسبات (60).

4.   الأكل والشرب أمام الناس (85).

5.   الاعتراض على كلام رئيسه في الاجتماع الأسبوعي عندما يكون غير منطقي، أو الدخول لمحل لشراء سلعة ولا تعجبه  فيضطر إلى الشراء وإن اشترى وكانت غير مناسبة لا يستطيع إرجاعها أو تبديلها (95).

ب)كان على (ع) أن يبدأ بعد ذلك في التعرض التخيلي

فبدأ في تخيل:

1.   أنه نزل إلى الشارع وسأل الناس متعمدًا أين الشارع كذا.. أين أقرب صيدلية.. أين مكتبة كذا.. أين أقرب مكتب تصوير مستندات ويكرر ذلك عدة مرات.

2.   وأنه بدأ  يخترع عدة أسئلة هو يعرف إجاباتها ويسأل عنها رئيسه في العمل في التليفون، وبدأ يسأله يوميًا ويتعمد أن يكون اتصاله وسؤاله أمام باقي الزملاء.

3.   وأنه بدأ في حضور كل المناسبات الاجتماعية التي تخص عائلته وأصدقاؤه.

4.   وأنه بدأ في تناول فطوره وشرب العصير ثم الشاى أمام كل الزملاء في العمل بل ذهب عدة مرات لتناول الغداء عند حماته وأبناءها وجلس بينهم .. ثم الذهاب إلى مطعم صغير أمام عمله ليرجع سريعًا  ويكمل دوام العمل المسائي.

5.   وأنه بدأ في اعداد ردود على كل أسئلة رئيسه في العمل لكى يخبره بها في الاجتماع الأسبوعي وأنه بدأ في الاعتراض على خطة العمل بكل أدب ولكن بحزم وحسم وهو ما كان يتجنبه سابقًا.. وأنه بدأ في دخول المحال الجارية لكى يتفرج على الملابس والأحذية ويقيس هذه ويلبس هذه ولا يشتري.. وأنه بدأ يشتري سلعة ويرجع بعد ساعة لكى يستبدلها.. وأنه بدأ يركب المواصلات ولا يخفي عينيه عن أعين من يجلس أمامه ولا مانع من بدء التعارف على من حوله.

ج) عند تخيل ما سبق ظهر على (ع) التوتر والقلق فبدأ في وقف تخيلاته ثم الرجوع إليها وزيادة فترات التخيل يوميًا ثم قام بتسجيل تخيلاته في صورة قصة قصيرة تستغرق 5 دقائق ثم تكرار الاستماع إلى تلك القصة لمدة 45 دقيقة يوميًا..

في أول الأمر كانت تزيد معدلات القلق والتوتر والازعاج من 95 إلى 85 إلى 60 إلى 35 إلى 20.. حتى حدث التعود على تلك المواقف ولم تعد تسبب أى قلق أو توتر أو ازعاج..

(ارجع إلى تفاصيل التعرض التخيلي)

د) بعد ذلك بدأ (ع) في التعرض الحقيقي للمواقف السابقة التي كانت تسبب له الإثارة والتهيج والتوتر والقلق وزيادة ضربات القلب والصداع والدوخة والدوار والعرق و...... فكان يقرن دائمًا بين الموقف الذي يسبب الخواف و الاسترخاء ثم التخيل.. ثم الاسترخاء، ثم التعرض الحقيقي حتى تخلص تمامًا من مخاوفه.

(ارجع لى تفاصيل العلاج بالتعرض)

 

توكيد الذات

 

 

 

وللحديث بقية

ما هو الرهاب أو الخواف أو الفوبيا؟

الخوف والقلق

أسباب الفوبيا

مخاوف البالغين

مخاوف الأطفال

الفوبيا (الرهاب – الخواف) في الأطفال

علاج الفوبيا

دور الأسرة في العلاج

خواف - رهاب الأماكن المفتوحة أو المزدحمة

الخوف من الحيوانات

الخوف من البحر أو الماء عامةً

الخوف من الأجهزة

الخوف من الرعد والبرق

الخوف من الموت لدى الطفل

الخوف من الموت لدى البالغين

الخوف على الآباء والخوف من الآباء

الخوف من المبيت خارج البيت

الخوف من ركوب السيارة

علاج خواف الأماكن المفتوحة والمزدحمة

علاج خواف الأماكن المرتفعة

خواف الحشرات

الخواف الاجتماعي

توكيد الذات

المراجع

 

الصفحة الرئيسية د.محمد شريف سالم  مقالات   محاضرات | ارسل استشارتك  | أرشيف الاستشارات  |   إصدارات |جديد الموقع  | القلق | الوسواس القهري   المخاوف المرضية (الفوبيا) (الرهاب)  | الهلع |  الخوف من الموت |  إضطرابات الطعام  | الإدمان | بيوت تأهيل المدمنين  البرنامج الروحي | الإكتئاب الإضطراب الوجداني |   الفصام |  إضطرابات الإطفال النفسية | الطفل العنيد     إضطرابات السيطرة على الدوافع | إضطرابات الشخصية  | الطب النفسي الجنسيالصرع  مستشفى الطب النفسي |   روابط مهمة  |  المكتبة  | صوتيات   | اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة للدكتور محمد شريف سالم ©   2008-  2010  
يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري
ارسل مقترحاتك الخاصة بالموقع على
gawab@tabibnafsany.com
لتصفح أفضل يرجى استخدام إنترنت إكسبلورر الإصدار الخامس أو ما أعلى  بجودة 1024*768  بيكسل
تصميم  د.محمد حسين
د.محمد حسين