لا يسعني هنا إلا أن أُذَكِرك أخي أن المنهمك في الدنيا .. المكب على شهواتها .. يغفل قلبه عن ذكر الموت، و إذا ذُكِّر به كرهه و نفر منه أولئك هم الذين قال الله فيهم: [قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب و الشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون] (الجمعة:الآية 8)
ثم الناس، إما منهمك، و إما تائب مبتديء، و إما عارف منته...
أما المنهمك فلا يَذكُر الموت و إن ذَكَرُه فيَذكُره للتأسف على دنياه ويشتغل بمذمته، و هذا يزيده _ ذكر الموت _ من الله بعداً.
أما التائب فإنه يكثر من ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية فبقى بتمام التوبة.
أما العارف فإنه يذكر الموت دائماً لأنه موعد للقائه بحبيبه.. والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب.
ثم إن أنجح طريق في ذكر الموت أن يكثر ذكر أشكاله و أقرانه الذين مضوا قبله فيتذكر موتهم و صورهم و أحوالهم و كيف خلت منهم مساجدهم و مجالسهم و انقطعت آثارهم و أنه مثلهم وستكون عاقبته كعاقبتهم، فملازمة هذه الأفكار مع دخول المقابر ومشاهدة المرضى هو الذي يجدد ذكر الموت في القلب فيستعد له و يتجافى عن دار الغرور و لا يجد في قلبه خوف من الموت أو المرض أو الجنائز أو المقابر بكثرة التعرض لهذه الأشياء.. و مهما طاب قلبه بشيء من الدنيا ينبغي أن يتذكر في الحال أنه لابد من مفارقته.
و لذلك لابد من المبادرة بالعمل الصالح ..عن النبي _ صلى الله عليه و سلم _أنه قال:
"اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، و صحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، و فراغك قبل شغلك، و حياتك قبل موتك".
نسأل الله تعالى أن لا يجعل لنا بعد الموت حسرة إنه سميع الدعاء.